يفسّر الكاتب كارلوس ألوس فيرير في مستهل مقاله كيف لم يعد تأثير موجات الحر يقتصر على الإرهاق الجسدي والمضاعفات الصحية، بل امتد إلى وظائف الدماغ والقدرات الذهنية، إذ تشير دراسات متزايدة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يضعف الذاكرة والانتباه والقدرة على حل المشكلات واتخاذ القرارات، بينما قد يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم هذه الآثار خلال العقود المقبلة.
وأوضح موقع سايكولوجي توداي أن الجسم يواجه الحرارة المرتفعة عبر إعادة توزيع تدفق الدم والطاقة للحفاظ على درجة حرارته، وهو ما يقلل كفاءة وصول الدم إلى الدماغ. ورغم أن العلماء لم يحسموا جميع الآليات البيولوجية المسؤولة عن هذه الظاهرة، فإن الأدلة تؤكد أن الحرارة، إلى جانب اضطرابات النوم والإجهاد المصاحب لها، تضعف الأداء الذهني بصورة ملحوظة.
دراسات تكشف تأثير الحرارة على الأداء العقلي
استعرض الكاتب دراسة أجراها باحثون خلال موجة الحر التي ضربت مدينة بوسطن الأمريكية عام 2016، حيث تابعوا أداء طلاب جامعيين عاش بعضهم في مبانٍ مزودة بأجهزة تكييف، بينما أقام آخرون في مساكن خالية منها. وخضع المشاركون لاختبارات يومية لقياس سرعة العمليات الحسابية والانتباه والتركيز.
وأظهرت النتائج أن الطلاب الذين عاشوا في المباني غير المكيفة سجلوا أداءً أضعف في الاختبارات، إذ انخفضت سرعة الإجابة الصحيحة وتراجعت قدرتهم على التركيز مقارنة بزملائهم الذين عاشوا في بيئة أكثر برودة. ويرى الباحثون أن فارقًا بسيطًا في درجات الحرارة كان كافيًا لإحداث تغيرات ملحوظة في الأداء المعرفي.
وأشار الكاتب إلى أن هذه الدراسة لا تمثل دليلًا منفردًا، بل تنسجم مع عدد كبير من التجارب المخبرية التي أخضعت المشاركين لدرجات حرارة مختلفة بصورة عشوائية، حيث كشفت النتائج باستمرار عن تراجع في الذاكرة والانتباه والوظائف التنفيذية، مثل التفكير المنطقي، وفهم المهام المعقدة، واتخاذ القرارات، لدى الأشخاص الذين تعرضوا لدرجات حرارة مرتفعة.
التعرض الطويل للحرارة قد يسرّع التراجع المعرفي
انتقل المقال إلى الأدلة المتعلقة بالتعرض طويل الأمد للحرارة، مستعرضًا دراسة واسعة اعتمدت على بيانات أكثر من ثلاثة وخمسين ألف مشارك في الصين على مدار ثماني سنوات. وربط الباحثون بين عدد الأيام التي تجاوزت فيها درجات الحرارة اثنتين وثلاثين درجة مئوية وبين نتائج الاختبارات اللفظية والرياضية للمشاركين.
وكشفت الدراسة عن ارتباط واضح بين التعرض المستمر للحرارة الشديدة وتراجع القدرات الإدراكية، إذ ارتبطت زيادة الأيام شديدة الحرارة بانخفاض ملحوظ في الأداء العقلي. كما رجحت النماذج المناخية أن يؤدي استمرار تغير المناخ إلى انخفاض متوسط القدرات المعرفية للبشر بنسبة تراوح بين خمسة وسبعة في المئة بحلول نهاية القرن الحالي.
وأضاف الكاتب أن التأثير لا يصيب الجميع بالدرجة نفسها، إذ يزداد لدى كبار السن، والأشخاص الذين يعانون ارتفاع مؤشر كتلة الجسم، والرجال مقارنة بالنساء. كما أوضح أن موجة حر واحدة قد تترك آثارًا مؤقتة تستمر عدة أيام بعد انتهائها، لأن الدماغ لا يستعيد كفاءته مباشرة عقب انخفاض درجات الحرارة.
كيف نحافظ على جودة التفكير أثناء موجات الحر؟
يرى الكاتب أن ارتفاع الحرارة يزيد العبء المعرفي على الدماغ، وهو تأثير يشبه إلى حد ما الضغوط المالية أو كثرة المهام اليومية، رغم اختلاف الآليات البيولوجية. ولذلك ينصح بتجنب اتخاذ القرارات المصيرية خلال الأيام شديدة الحرارة أو بعدها مباشرة كلما أمكن.
ويؤكد أن القرارات المهمة، مثل شراء أصول مرتفعة الثمن أو اتخاذ قرارات مهنية أو شخصية مؤثرة، تستحق التأجيل حتى تتحسن الظروف المناخية ويستعيد الدماغ قدرته الطبيعية على التفكير. كما يدعو إلى مراجعة أسباب القرار بعناية، وعدم الاعتماد على الانطباعات السريعة، والاستفادة من آراء الآخرين قبل الإقدام على الخيارات المصيرية.
ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن تغير المناخ يجعل موجات الحر أكثر تكرارًا وشدة، الأمر الذي يفرض الانتباه إلى تأثيرها غير المرئي في القدرات العقلية. ويشدد على أن تبريد الجسم قبل اتخاذ قرار مهم قد يكون خطوة بسيطة، لكنها تساعد الدماغ على العمل بكفاءة أعلى وتحد من أخطاء الحكم والتقدير.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/decisions-and-the-brain/202606/heat-might-cloud-your-brain

